عبد الملك الجويني

13

الشامل في أصول الدين

ثبوت الحياة فهو يقتضي حالا لمن قام به ، وكل وصف لا تشترط فيه الحياة فلا يوجب حالا إلا الأكوان . فإن قال قائل : النظر ينقسم إلى الصحيح والفاسد ، ثم الصحيح منه ينطوي في الأغلب على فكر فلا يخلو إما أن تقولوا : يثبت للناظر حال عن نظره الصحيح يتميز عن حالته الثابتة له عن نظره الفاسد أو القاصر أولا . فإن زعمتم أنه لا يثبت حال في نظره الصحيح ، فهذا تشبث منكم إلى جحد الأحوال . إذا المعلول عليه ما يجده العاقل في نفسه من اختلاف أحواله . ومن صح نظره يجد من نفسه حالا يخالف حال الناظر في الشبهة . وإن أثبتم ما طولبتم به كان محالا أيضا ( إذ النظر . . . . . . معان إذ من شرط الموجب . . . [ مو ] « 1 » جبا عن وصفين وقد اختلف . . . كتبه إنما يثبت الحال عن تذكر أركان النظر ، وقد قدمنا جواز تعلق تذكر واحد بجمل من ضروب النظر ، والتذكر معنى واحد ، فلا يبعد أن يوجب حالا . ثم إنه رضي اللّه عنه زيف ذلك في « نقض النقض » من وجهين . أحدهما : أن قال : العاقل يفصل بين حاله في تذكر النظر السابق ، وبين حاله في ابتداء النظر الثاني . ولا سبيل إلى المصير إلى استواء الحالين وتماثل موجبهما . والوجه الآخر من الفساد أن الناظر إذا انتهى إلى الفكر الأخير من نظره ، فعنده يجد تقدير ثبوت الحال عن صحة الناظر ، أن ثبتت الحال على ما قدر به ، وهو عند ذلك منشئ فكرة ، متذكر لفكرته السالفة . فلو أثبتنا الحال ، لاقتضى التعلق بوجوبهما معنيين . أحدهما : تذكر ما مضى ، والثاني : إنشاء الفكر الأخير . ثم قال : فالوجه في ذلك أن نقول : إذا كان النظر لا يصح إلا عند توالي فكر مختلفة ، فليس صحيحا النظر جنسا واحدا ، وإنما هو أجناس مختلفة متعاقبة ، ولا يتصور ثبوت حال عن أجناس مختلفة ، والأولى نفي الحال عن صحيح النظر ، إذ ليس صحيح النظر عبارة عن معنى مفرد الجنس . فإن قيل : الناظر يجد من نفسه حالا إذا صح نظره مخالفة لسائر الأحوال . قلنا : هذه زلة من الملزم وإنما الذي يشير إليه عن حاله الصادرة عن علمه بوجه الدليل . ( ونحن لا ننكر أن يوجب العلم حالا ، ولكن العلم بوجه الدليل ) ليس من النظر بل هو واقع بعد انقضائه . فاستبان وجه الصواب فيما قلناه .

--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .